العيني
30
عمدة القاري
الإصبع . قلت : هذا من قبيل إطلاق الكل وإرادة الجزء . فإن قلت : الإصبع في خاتم لا الخاتم في الإصبع . قلت : هو من باب القلب ، نحو : عرضت الناقة على الحوض . قوله : ( مَنْ قال ) ، جملة اسمية : ومن ، استفهامية . لا وقوله : ( نقشه : محمد رسول الله ) ، مقول القول . قوله : ( قال : أنس ) جملة من الفعل والفاعل ، ومقول القول محذوف ، أي : قال أنس : نقشه محمد رسول الله . بيان المعاني : قوله : ( كتاباً ) أي : إلى العجم أو إلى الروم ، فقد جاء الروايتان صريحتين بهما في كتاب اللباس . قوله : ( أو أراد أن يكتب ) شك من الراوي ، وقيل : هو أنس . قوله : ( إنهم ) أي : إن الروم والعجم ، ولا يقال : إنه ، إضمارٌ قبل الذكر لقيام القرينة ، وهي قوله : ( لا يقرأون الكتاب إلاَّ مختوماً ) ، وكانوا لا يقرأون إلا مختوماً خوفاً من كشف أسرارهم ، وإشعاراً بأن الأحوال المعروضة عليهم ينبغي أن يكون مما لا يطلع عليها غيرهم ، وعن أنس : إن ختم كتاب السلطان والقضاة سنة متبعة . وقد قال بعضهم : هو سنة لفعل النبي ، عليه الصلاة والسلام ، وقد قيل في قوله تعالي : * ( إني ألقي إلي كتاب كريم ) * ( النمل : 29 ) إنها إنما قالت ذلك لأنه كان مختوماً . وفي ذلك أيضاً مخالقة الناس بأخلاقهم ، واستئلاف العدو بما لا يضر ، وقد جاء في بعض طرقه عن أنس ، رضي الله عنه ، لما أراد النبي ، عليه الصلاة والسلام ، أن يكتب إلى الروم ، وفي بعضها إلى الرهط أو الناس من الأعاجم ، وفي مسلم ( أراد أن يكتب إلى كسرى وقيصر والنجاشي ، فقيل له : إنهم لا يقبلون كتاباً إلاَّ مختوماً ) . . . وذكر الحديث . فإن قلت : ما كان رسول الله ، عليه الصلاة والسلام ، يكتب ؟ فكيف قال : كتب النبي ، عليه الصلاة والسلام ؟ باسناد الكتابة إليه . قلت : قد نقل أنه ، عليه الصلاة والسلام ، كتب بيده ، وسيجئ ، إن شاء الله في كتاب الجهاد ، وإن ثبت أنه لم يكتب أصلاً يكون الإسناد فيه مجازياً ، نحو : كتب الأمير كتاباً ، أي : كتبه الكاتب بأمره ، والقرينة للمجاز العرف ، لأن العرف أن الأمير لا يكتب الكتاب بنفسه . قوله : ( فقلت ) ، القائل هو : شعبة . بيان استنباط الأحكام : وهو على وجوه . الأول : فيه جواز الكتابة بالعلم إلى البلدان . الثاني : جواز الكتابة إلى الكفار . الثالث : فيه ختم الكتاب للسلطان والقضاة والحكام . الرابع : فيه جواز استعمال الفضة للرجال عند التختم ، وقال عياض : أجمع العلماء على جواز اتخاذ الخواتم من الورق وهي الفضة للرجال إلاَّ ما روي عن بعض أهل الشام من كراهة لبسه إلاَّ لذي سلطان ، وهو شاذ مردود ، وأجمعوا على تحريم خاتم الذهب على الرجال ، إلاَّ ما روي عن أبي بكر محمد بن عمرو بن حزم إباحته ، وروي عن بعضهم كراهته . قال النووي : هذان النقلان باطلان ، وحكى الخطابي أنه يكره للنساء التختم بالفضة لأنه من زي الرجال ، ورد عليه ذلك . قال النووي : الصواب أنه لا يكره لها ذلك ، وقول الخطابي ضعيف أو باطل لا أصل له . وقال الشيخ قطب الدين : في هذا الحديث فوائد . منها : نسخ جواز لبس خاتم الذهب بعد أن كان ، عليه الصلاة والسلام ، لبسه ، ولا يعارض ذلك ما جاء في ( الصحيحين ) من رواية الزهري محمد بن مسلم عن أنس أنه رأى في يد رسول الله ، عليه الصلاة والسلام ، خاتماً من ورق يوماً واحداً ، ثم إن الناس اصطنعوا الخاتم من ورق فلبسوها ، فطرح رسول الله ، عليه الصلاة والسلام ، خاتمه ، فطرح الناس خواتيمهم ، رواه يونس وإبراهيم بن سعد ، وزياد ، وزاده أبو داود وابن مسافر ، فهؤلاء خمسة من رواة الزهري الثقات يقولون عنه : من ورق ، وقال القاضي عياض : اجمع أهل الحديث أن هذا وهم من ابن شهاب ، من خاتم الذهب إلى خاتم الورق ، والمعروف من رواية أنس من غير طريق ابن شهاب اتخاذ النبي صلى الله عليه وسلم خاتم فضة ، وأنه لم يطرحه ، وإنما طرح خاتم الذهب . وقال المهلب وغيره : وقد يمكن أن يتأول لابن شهاب ما ينفي عنه الوهم ، وإن كان الوهم أظهر باحتمال أن النبي ، عليه الصلاة والسلام ، لما عزم على طرح خاتم الذهب اصطنع خاتم الفضة ، بدليل أنه لا يستغني عن الختم به على الكتب إلى البلدان ، وأجوبة العمال وغيرهما ، فلما لبس خاتم الفضة أراه الناس في ذلك اليوم ليعلمهم إباحته ، وأن يصطنعوا مثله ثم طرح خاتم الذهب وأعلمهم تحريمه ، فطرح الناس خواتيم الذهب . الخامس : فيه جواز نقش الخاتم ، ونقش اسم صاحب الخاتم ، ونقش اسم الله تعالى فيه ، بل فيه كونه مندوباً ، وهو قول مالك وابن المسيب وغيرهما ، وكرهه ابن سيرين . وأما نهيه ، عليه الصلاة والسلام ، أن ينقش أحد على نقش خاتمه ، فلأنه إنما نقش فيه ذلك ليختم به كتبه إلى الملوك ، فلو نقش على نقشه لدخلت المفسدة وحصل الخلل .